الدُّرر المهملة

0 59

الدُّرر المهملة

 

كثيرًا ما ينعم علينا الله بنعم كثيرة ، ويغدق علينا بعطائه ، ويمنُّ علينا بفضله العظيم ، ولكن كثيرًا ما نضيع نحن هذه النعم بإهمالنا وتجاهلنا لها ، وعدم تعظيمها وتقديرها حق قدرها ، ولا نشعر بقيمتها وأهميتها إلا بعد تحولها أو سلبها منّا.

فالأطفال من أهم وأكبر النعم التى أنعم الله علينا بها ، ولا تحلو الحياة بدونهم ، ولا تكتمل إلا بوجودهم ، ومهما كان العناء الذى نلاقيه منهم ، والتضحيات الجمة التى نضحيها من أجلهم يبقى الطفل مفتاح السعادة لقلوبنا ، نستمد السعادة من بسماتهم ، نسعد لسعادتهم ، ونبكى لآلامهم ، ونشقى لأوجاعهم ، ونشعر بالإنجاز من خلال نجاحهم وتقدمهم .

فشعورنا بالأفراح أو الأحزان ما هو إلا إنعكاس لحالتهم ، ورغم هذا كثيرًا ما يتعرض الطفل للإهمال الشديد من قِبَل أسرته وتجاهله والتهاون فى حقوقه إلى حد الضياع ، فنرى فى كثير من الأسر وخصوصًا فى الأحياء الشعبية يقوم الآباء والأمهات بإسناد مهام إلى الطفل فوق طاقته ، ولا تليق بعمره ، ويتعمدون تكليفه ما لا يطيق فضلًا عن عدم تلبية معظم احتياجاته عمدًا ، تحت مبرر ترويضه على تحمل المشاق والتكيف مع ظروف الحياة وقسوتها وتحمله للمسؤولية منذ الصغر حتى ينشأ أهلاً لها . وفى الحقيقة نجد نتائج عكسية تمامًا لهذه التصرفات العشوائية غير المدروسة ، فالطفل الذى ينشأ مهملًا فى أسرته يتولد لديه إحساس بعدم الأمان ، والخوف الدائم من المستقبل ، وعدم الثقة بالنفس إلى الدرجة التى يصل بها إلى حد الفشل والضياع .

كما أن ممارسة العنف ضد الطفل وكثرة الضغوط النفسية التى يتعرض لها الطفل فى الصغر ينشأ عنها ضعف فى الاتزان النفسى ، وضعف التركيز ، وظهور الميول العدوانية فى أغلب الحالات ، فينشأ عاجزًا عن إتخاذ القرارات فى أبسط الأمور ، وفى التخطيط لمستقبله ، واجتياز المراحل الحياتية ، وقد يعجز أيضًا عن التفاعل مع المواقف العابرة مما قد يؤثر سلبًا على صحته النفسية والجسدية ، وكثيرًا من هؤلاء الأطفال يتعرضون للإختطاف والتحرش لهذه الأسباب ، وقد أثبتت كثير من الدراسات أن الأطفال الذين يتعرضون للإهمال أكثر عرضة للإصابة بالإكتئاب ، كما يميلون إلى الإنطوائية والعزلة عن المجتمع ، وعدم الميل إلى تكوين علاقات أو المشاركة فى أعمال جماعية ، إضافة إلى ضعف الشخصية ، حيث يكون الطفل أكثر عرضة للإنقياد والتأثير عليه ، وأيضًا يتصف هؤلاء المهمَلين بالقلق والخوف الدائم دون مبرر .

ولذلك فإن إهمال هذه الدُّرر التى وهبنا الله إياها جدير بأن يحولها من نعم جليلة ومصادر للسعادة وزينة للحياة إلى إبتلاءات وأحزان وسببًا لإنهيار الأسرة والمجتمع .

ولهذا يجب أن نعمل بمبدأ ( الوقاية خير من العلاج ) ونجنب أبنائنا مساوئ الإهمال والتجاهل والعنف بإحتضان الطفل والتجاوب مع رغباته ، وعدم تجاهلها ، وتلبية إحتياجاته الأساسية ، فضلًا عن الإهتمام بالرفاهيات والأنشطة وممارسة الرياضة ، وتنمية مهاراته ولو فى أضيق الحدود ، وإخراج ما بداخله قدر المستطاع ، ومحاولة تدخله فى شؤون الأسرة ، وتحمله للمسؤولية تدريجيًا بما يتفق مع عمره وقدراته و إسناد بعض الأعمال البسيطة إليه كترتيب غرفته وحقيبته ، أو عمل بعض المشروبات وغيرها ، ومن هنا يستمد الطفل الثقة بنفسه ، ويتمادى تدريجيًا دون أن يطلب من ذلك ، كما أن مشاركته فى الحوار وتشجيعه على إبداء رأيه وأخذه بعينه الإعتبار دون إستخفاف أو إستهتار يزيد من ثقته بنفسه ، ويعمل على تجاوبه الدائم والميل إلى المشاركة والتعاون .

فالأطفال كما يقولون ( فى ضحكتهم زرقة السماوات ، وإتساع البحر ، ولمعان النجوم ، وفيها سلسبيل يجرى ، ورائحة الأرض عندما يزورها المطر ) بارك الله فى أبنائنا جميعًا وجعلهم من أوليائه الصالحين ، وحفظهم من كل سوء .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.